بنوك مركزية تخالف النظرية والواقع ” عصر الفائدة السالبة”

209859554-1-1024x630

Print Friendly

للوهلة الأولي من الممكن ان لا تصدق عنوان المقال , ولكنها حقيقة بالفعل هناك بنوك مركزية تطبق سعر الفائدة السالب ,أشهرهم البنك المركزي الاوروبي ومعه البنوك المركزية لكلا من  الدنمارك وسويسرا والسويد والمانيا, فلك ان تتخيل ان تترك وديعة في البنك 100.000 فرنك سويسري لتجدها بعد عام 99.250 فرنك ,فبعد أن كان المدخر يحصل علي عوائد من الودائع والمدخرات اصبح الان يتحمل تكلفة الإدخار, ويعرف تطبيق سعر الفائدة السالب علي انه إشارة فشل لجميع الأدوات والسياسات الاقتصاية للخروج من حالة ركود أو إنكماش حيث تستخدم كأداة جديدة تستهدف زيادة الإستثمار من خلال تخفيض تكاليف الإقراض ,كما أنها تستخدم كوسيلة عقاب علي البنوك التي تكتنز السيولة ولا توجهها للإستثمار  .

 

والأن يتبادر الي الأذهان سؤال يبدأ بلماذا ؟ وما هي الاسباب التي دفعت البنوك المركزية الاوروبية لذلك ؟

 

 يمر الإتحاد الأوروبي بحالة من عدم الإستقرار تقرب الي الركود فلم يلبث الإقتصاد الأوروبي من تداعيات الأزمة المالية العالمية (2008) والتي أدت الي انخفاص حاد في معدلات النمو لتصل عام 2009 الي (4.4- %) حتي جاءت ازمة الديون السيادية الأوروبية لتكمل مسيرة عرقلة التعافي للإقتصاد الأوروبي ليصل معدل النمو الي منطقة السالب مره أخري عام 2012 ليحقق (-0.5%) , ليعاود البنك المركزي الاوروبي استهداف التعافي السريع ولكن باليات جديدة بداية من التيسير الكمي الي انتهاج ما يعرف بسعر الفائدة السالب , وذلك للخروج من حالة الركود وزيادة مستويات التضخم إلي 1.6 % في نهاية عام 2016 , وترتبط معدلات النمو  إرتباط وثيق بالإستثمار لتظهر آلية التأثير تلقائيا وهي سعر الفائدة .

 

تفترض النظرية الاقتصادية أن إنخفاض سعر الفائدة يقلل من تكلفة الإستثمار  مما يؤدي إلي زيادة الطلب علي الإستثمار وزيادة معدلات النمو حتي تصل مستويات الفائدة إلي مستويات متدنية فيقع الإقتصاد فيما يسمي بمصيدة السيولة .

 

ولكن الخروج من حالات الركود يتطلب إستخدام جميع الآليات الممكنة وهو ما تم إستنباطه من حديث ماريو دراغي (رئيس البنك المركزي الأوروبي) عندما قال ” سنتخذ كل ما يتطلب للحفاظ علي اليورو ” فكانت احدي الأليات هو وصول سعر الفائدة الي قرب الصفر وهو ما يعرف (Zero Bound) مثلما فعلت الولايات المتحدة الامريكية بعد الازمة المالية العالمية , ولكن ادي انخفاض سعر الفائدة الي إحتفاظ البنوك التجارية بالسيولة بدلاً من إقراضها وفقاً لإرتفاع المخاطر في سبيل عائد قليل جداً للبنوك التجارية ولذلك وعقاباً للبنوك بالإحتفاظ بالسيولة تم إقرار سعر الفائدة السالب ليمثل تكلفة علي إكتناز البنوك للسيولة.

 

mario-draghi

الاسباب التي دفعت البنك المركزي الاوروبي الي ذلك المستوي من اسعار الفائدة ؟  

 

اتسم النظام المصرفي الاوروبي قبل الازمة العالمية بالإستقرار حيث تتعامل  البنوك التجارية مع البنوك المركزية من خلال ما يعرف بالإحتياطي القانوني (Legal reserves) وهي النسب التي يجب أن يحتفظ بها البنك التجاري من الوديعة لدي البنك المركزي علي شكل سيولة ولا يتم دفع فوائد عليها من قبل البنك المركزي ,وبالتالي إذا اراد البنك المركزي ان يخفض من السيولة لدي البنوك التجارية والتي توجه الي الاقراض فإنه يصدر قرار برفع نسبة الإحتياطي القانوني وبالتالي إنخفاض الأموال في البنوك التجارية , اما الفائض من الأموال _ بعد إستقطاع الإحتياطي القانوني _ يوجه الي القروض والإستثمار في الادوات المالية المختلفة .

 

وبعد الازمة المالية(2008) عزفت البنوك التجارية عن المخاطرة من توجيه السيولة الي الإستثمار والإقراض نظراً للعائد من الإستثمار مقارنة بالمخاطر المصحوبة,لذلك قررت البنوك الإحتفاظ بالسيولة في النظام المصرفي الاوروبي  لدي البنك المركزي الاوروبي وبالتالي تم تحميل البنك المركزي دفع فائدة علي تلك الاموال, خاصة بعد سياسة التيسير الكمي التي إنتهجها البنك المركزي الاوروبي عام 2014 والتي وفرت سيولة للبنوك التجارية , مما زاد من العبء علي البنك المركزي وقلل من فاعلية السياسات المتبعه لزيادة الإستثمار .  

 

وفي شهر يونيه(2014) خفض البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة علي (deposit facility) لتصل الي -0.1%  وهي الفائدة التي يدفعها البنك المركزي علي الاموال المودعة من قبل البنوك التجارية بعد نسبة الإحتياطي القانوني , فإذا كان معدل الفائدة بالموجب فيحتم علي البنك دفع الفائدة علي تلك الاموال التي بحوزته اما في حالة سعر الفائدة السالبة ستتحمل البنوك التجارية تكلفة الاحتفاظ بالسيولة في البنك المركزي, وبتلك السياسة يدفع البنوك التجارية الي توجيه تلك الاموال خارج الجهاز المصرفي .

 

وبالرغم من ان تطبيق سعر الفائدة السالب هو احدي إشارات الركود الاقتصادي الا أن بعض الدول إتخذته كسياسة وقائية وليس لضعف اقتصادها , ومن أوائل البنوك التي فرضت تلك السياسة في القرن الحالي هو البنك المركزي الدنماركي والذي خفض سعر الفائدة الي السالب تجنباً لتداعيات ازمة الديون السيادية التي توسعت في الاتحاد الاوروبي فقد قامت عام 2012 بإقرار سعر الفائدة السالب لتجنب تدفقات اليورو الي الاقتصاد المحلي لتجنب حدوث اضطرابات علي العملة الدنماركية ( الكرون الدنماركي ) .

 

ولا يمكن إغفال قرار  البنك المركزي السويسري لسعر الفائدة السالب في ديسمبر 2014 وذلك تمهيدا لصدمة قرار فك ربط الفرنك السويسري مع اليورو (يناير 2015) وذلك حفاظا علي الاقتصاد السويسري من التدفقات النقدية الي الداخل وزيادة قوة العملة  وبالتالي التأثير علي الصادرات السويسرية  .

 

سعر الفائدة السالب علي المدخرات هل يمكن تطبيقه في الواقع ؟

 

banks-are-seriously-discussing-negative-interest-rates-for-normal-peoples-savings

 

بالرغم من جميع السياسات المتبعة لسعر الفائدة السالب الا ان الامر كان مقتصر علي تحركات رؤوس الاموال بين البنوك كذلك الامر في السندات, و كان الامر بعيد كل البعد عن المدخرات, حيث يري المدخرين ان تشجيع الإستثمار ومعدلات النمو هي من مهام الحكومات والسياسين ولا يجب عليهم ان يتحملوها , بجانب أن هذا يخالف النظرية الاقتصادية في تساوي الادخار مع الاستثمار, وانخفاض المدخرات يؤدي الي انخفاض الاستثمار  وبالتالي انخفاض معدلات النمو واستمرار الركود ومع ذلك تناقش البنوك المركزية بإصرار علي أن الاتجاه المستقبلي لاسعار الفائدة سيكون تطبيق سعر فائدة سالب علي المدخرين كوسيلة عقاب علي الإكتناز, وبالتالي تحميل المدخر تكلفة إدخار سيؤدي الي زيادة سحب الاموال من البنوك وزيادة الانفاق والاتجاه الي زيادة معدلات النمو , كذلك تشجيع المدخرين علي توجيه اموالهم الي الاستثمار في اي شئ يحقق عوائد اعلي من الصفر بالتالي زيادة معدلات النمو , ولا شك ان تطبيق تلك السياسة وخروج اموال المدخرين الي الإستهلاك او الاستثمار سيؤدي الي دفع معدلات التضخم الي اعلي لزيادة الانفاق او زيادة الاستثمار خاصة ان التوجه سيكون للقطاعات التي تحتفظ بقيمة النقود مثل العقارات وبالتالي الوصول الي معدلات التضخم المستدهفة .

 

البنك المركزي السويسري يبدأ الطريق بتطبيق سعر الفائدة السالب علي الحسابات الجارية والودائع :

 

لم ينتهي عام 2015 حتي قرر البنك المركزي السويسري تطبيق سعر فائدة علي الحسابات الجارية بنحو 0.125- % , بينما فرض علي الودائع اكثر من 100.000 فرنك سويسري سعر فائدة سالب بنحو (0.75- %) اي ان المدخر يترك وديعة بـ 100.000 فرنك ليأتي نهاية العام ويجد قيمتها 99.250 فرنك , علي ان يتحمل المدخر تكلفة اكتناز المدخرات اعلي من 100.000 فرنك  ليبدأ الاقتصاد العالمي العام الجديد (2016) لإحتمالات تطبيق سعر الفائدة السالب علي المدخرين في دول اخري مثل السويد

 

ماذا بعد تطبيق سياسة سعر الفائدة السالب علي المدخرات :

    1. سحب الاموال والاكتناز: وهنا يتعرض المدخر  لمخاطر كلا من السرقة وانخفاض قيمة النقود بارتفاع التضخم , كذلك مخاطر  الشبه الجنائية من غسيل الأموال او الأعمال المشبوهه أو الارهاب .
    2.  سحب الاموال واستثمارها : ليواجه المدخر مخاطر عدم الخبرة وانخفاض العوائد ومعدلات النمو الاقتصادي في الوقت الحالي مما يحتمل ضياع جميع مدخراته , او الاستثمار في شراء اصول مثل العقارات للبيع في المستقبل .
    3. الاحتفاظ بالمدخرات في البنوك ويتقبل انخفاض القيمة الاسمية للمدخرات .
      وبذلك ندخل عصر جديد من الاليات النقدية التي تخالف النظريات الكلاسيكية والتي تنتهي بتساوي سعر الفائدة الاسمي مع الصفر لنبدأ عصر ماذا بعد الصفر وما هي الادوات المساعدة لنجاح تلك الاليات .


 

ساعدنا في نشر المعرفةShare on LinkedInShare on RedditTweet about this on TwitterShare on Google+Share on Facebook

شاهد ايضاً

التعليقات

التعليقات

عاصم ابو العز

عاصم ابو العز

مدير ادارة البحوث والتحليلات الاقتصادية، إستشاري دراسات جدوى المشروعات الاقتصادية، عضو الاتحاد الدولي للمحللين الفنيين