محمد عبده يكتب : الحلقة 3 من سلسلة الاقتصاد كما يجب ان يكون “الإنهيار”


Print Friendly, PDF & Email

الإقتصاد كما يجب أن يكون 3 ..
الإنهيار ( النشأة – الأسباب – المستقبل )

توقفنا في المقال السابق عند هذا السؤال : كيف وصلنا إلى هذا المستوى من الإنهيار الإقتصادي و نحن أمة لديها مثل هذا النظام ؟! المقصود بالنظام لمن يقرأ مقالاتي تلك لأول مرة هو “نظام الإقتصاد الإسلامي” ..

islamiceconomic1(1)

هذا الإنهيار التام الذي أصاب إقتصاد بلادنا حتى النخاع ، و تلك الديون التي في أحسن التقديرات تحتاج أجيال و أجيال لسدادها و ذلك إن تمكنا أساسا من السداد ، و هذا المستوى من الفقر الذى وصلنا إليه و لازالت معدلاته ترتفع ..

  • كيف بدأ كل ذلك ؟
    و ما هي أسباب تفاقمه ؟
  • و ما هو المستقبل الذي ينتظرنا ؟

البدايه …
هناك حكمة شهيرة تقول “تستطيع أن تهدم بسهولة و لكن الصعوبة تكمن في البناء” ، الهدم لا يحتاج إلى عبقرية يكفي فقط أن تعطي جاهل إمكانيات البناء و سيستخدمها للهدم و ليس للبناء ..
البناء أيضا لا يحتاج لعبقرية يحتاج فقط علم و به سيصنع الخبرة و الإمكانيات ليبني بهم أمجاد يذكرها التاريخ من بعده ..

في إعتقادي ان العبقرية تكمن في الإستمرارية أيا كان جانب الإستمرارية سواء كان في الهدم أو في البناء ، و لكن بعيدا عن هذا الإعتقاد سنتكلم في هذا المقال بالحقائق لا بالإعتقادات فربما نختلف سويا في الإعتقاد أما الحقيقة فهي أمر واقع علينا جميعا ..

بنفس الحياد الأكاديمي الذي إعتمدنا عليه في المقالتين السابقتين في إستيضاح مصادر الأسس التي يبني عليها أي نظام إقتصادي و الآليات المستخدمة ، و بعدما إتضح لنا جميعا أن الإقتصاد الإسلامي هو الأكثر جدارة في إمتلاك آليات لإدارة الحياة الإقتصادية ، فإننا نستعرض الآن من نفس المصدر الذي إستخرجنا منه آليات الإقتصاد الإسلامي و هو القرآن الكريم نشأة أو ميلاد الإنهيار الإقتصادي الذي نعاصره حاليا .. 
قال تعالى “ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{الأنفال:53} ” و قال أيضا ” إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ {الرعد:11}.

طبقا لنفس المصدر لم تكن البداية مطلقا بسبب الهدم و لكن بسبب توقف البناء ، فتوقف البناء فعليا بعد معركة بلاط الشهداء 114هـ/ 732م ، فبمجرد توقف الفتوحات الإسلامية تحول أعدائهم من مدافعين إلى مهاجمين فأخرجوا المعارك من أراضيهم إلى أراضي المسلمين ، و نشأ الإنهيار بمختلف أنواعه و خاصة الإقتصادي الذي هو موضوع هذا المقال بعد الضربات المتتالية على أراضي المسلمين ، هذه هي نشأة أو ميلاد الإنهيار لبلادنا ..

الأسباب …
لم يكن الإقتصاد لينهار لمجرد الضربات المتتالية فأقصي ما تستطيع أن تفعله تلك الضربات هي تحويل أو تحريك الإقتصاد من مرحلة الرواج إلى مرحلة الكساد ليس أكثر من ذلك ، فمن قرأ مقالي السابق جيدا سيجد أن آليات العدالة الإجتماعية في الإقتصاد الإسلامي لا تخلق طبقية او حالة فقر فردي ، فلا يمكن أن تكون أسباب الإنهيار راجعة إلى تلك الضربات مطلقا و تاريخ المسلمين أكبر شاهد على هذا الأمر فقد مر المسلمون بمراحل حربية يتلقون الغزوات في عقر دارهم و محاصرون حصار إقتصادي أعنف مما نشهده الآن و رغم كل هذا لم ينهار الإقتصاد بل أثبتت آليات العدالة الإجتماعية جدارتها في تلك الظروف و تماسك المسلمون أكثر بعقيدتهم و لم يكتفوا بالدفاع فقط عن أراضيهم بل تعدى الأمر للقيام بفتوحات في شتى بقاع الارض ، فإذا كان الأمر كذلك فما هي الأسباب ؟ التي أدت لهذا الإنهيار الكارثي ..

1- قال تعالى ” وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ” (الاسراء:16)

من نفس المصدر يتضح السبب الرئيسي للإنهيار بشكل عام و هو “الفسق” و هو مصطلح يجمع معاني و أوصاف كثيرة تعد من الأسباب الرئيسية للإنهيار ، فما يخص الإنهيار الإقتصادي من هذه الآية هو الفسق في المؤسسات المالية ، بداية من وضع إستثناءات لفئات معينة من عدم دفع الزكاة المفروضة عليهم إلى إنتشار أصحاب الأيادي الملوثة من مرتشين و مختلسين و أصحاب صفقات مشبوهة مرورا بتعين ذوي الكفاءات الضعيفة في إدارات مالية و إقتصادية حساسة .. إلخ من الفساد الداخلي الذي كان نواة السرطان الذي أصاب الإقتصاد الإسلامي ..

2- قال تعالى وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ” (الأنفال : 46)

السبب الثاني هي الصراعات التي نشأت بين المسلمين أنفسهم ، فبعد أن كانت لهم جميعا دولة واحدة بإختلاف المسميات الجغرافية لها ، تنازعوا و أستقلت كل مجموعة منهم بنطاق جغرافي أو ما يسمى بالدولة ، و انشغلوا جميعا بإنفاق المال لتمويل حروبهم ضد بعضهم البعض ، و أصبح نقل البضائع من المناطق ذوي الوفرة إلى مناطق الاحتياج متعثرا بعوامل كثيرة منها سياسية و جمركية و أخرى إجرائية ، بعد أن كانت تتنقل تلك البضائع لأرجاء الدولة الإسلامية في شتى بقاع الأرض دون أدنى مشاكل تذكر أصبحت الآن في أسوء أحوالها و بتتابع متلازمة الأسباب التي أدت الي الإنهيار الإقتصادي من تحول إقتصاديات الإنتاج الوفير نظرا لتوفر الإنتقال الميسر للعمالة و المواد الأولية و الخبرات إلى إقتصاد محدودية الإنتاج ، فبالنظر سريعا إلى الإتحاد الأوروبي لمقارنته بما حدث معنا ، نجد أن جميع دول الإتحاد لها سوابق تاريخية في النزاعات بينها و بين بعضها البعض و لا تجمعهم لغة و لا مذهب ديني واحد و رغم ذلك أدركوا ان نزاعاتهم هي سبب فشلهم و ضعفهم و من خلال الإتحاد تستطيع كل دولة أن تستفيد بميزة الآخري و بهذا تتوفر إمكانيات الإنتاج الوفير ، فمن هذا المنطلق أنشاؤا الإتحاد الأوروبي .

أيضا من هذا المنطلق أهمل المسلمون التلاحم و استمر النزاع بينهم ، فمن هنا كان الإنهيار ليس إقتصاديا فقط بل إنهيار بكافة الأشكال و الأنواع ..

3-  قال تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ ” (النساء:144)

4_144السبب الذي جعل الغرب يتحكم بالمسلمين كما يتحكم المشاهد بالتلفاز مستخدما الريموت كنترول هو تحول نظرة المسلمين إلى الأنظمة الغربية من أنظمة كافرة لابد من القضاء عليها إلى أنظمة صديقة رائدة يجب الإقتضاء بها ، فبعدما شاع الفسق أو بالمصطلح العصري “الفساد” و أصبحت دولة الإسلام مجموعة من الدول و الدويلات المتنازعة لم يك ينقص المسلمون أسباب آخرى للإنهيار سوى التحالف مع أعدائهم ، لم يك بمقدور أي دولة من دول المسلمين التنازع دون وجود حلفاء لها ليدعموها ماديا و عسكريا ليساعدوها في الإنتصار على أعدائها ، طبقا لحقيقة أنه لا يوجد شئ مجانا ، فكان على كل دولة من دول المسلمين أن تدفع مقابل هذا الدعم تنازلات متنوعة و خاصة تلك التنازلات الإقتصادية التي جعلت ممن يملكون أفضل نظام إقتصادي و هو الإقتصاد الإسلامي يستبدلونه بإستيراد أنظمة إقتصادية فاشلة في التجربة بالفعل مثل الإشتراكية و الرأسمالية ..

من ناحية المسلمين إستوردوا تلك الأنظمة للحصول علي تأييد و دعم ضد جيرانهم المسلمين أيضا ، و من ناحية آخرى كان الغرب يتعمد الإصرار على تعميم أنظمته الإقتصادية للسيطرة إقتصاديا على دول المسلمين و بهذا يستطيع التحكم في شؤنهم الإقتصادية كيفما يرى أن هذا في صالحه تماما ..
و من مصلحة الغرب ألا تحدث نهضة إقتصادية في دول المسلمين ، لأن بهذه النهضة ستزداد مخصصات البحث العلمي و مخصصات التعليم و الصحة و مخصصات الإنفاق العسكري مما قد يدفع المسلمون إلى الخروج من تلك التبعية الغربية بتطبيق الإقتصاد الإسلامي ، فبهذا يحافظ الغرب على المسلمين في هذا الوضع الضعيف و أي إنتعاش يحدث يلاحقوه بإجراءات إقتصادية صارمة ترجعه من حيث بدأ .. 

المستقبل ..
إلى أين نحن ذاهبون ؟!
ماذا ينتظرنا بعد كل هذا ؟!
هل الأمور ستسوء أم ستتحسن ؟!
أسئلة كثيرة تحمل جميعا نفس المضمون
هذا ما سأناقشه بإذن الله المقال القادم ..
يسعدني الرد على تعليقاتكم ..

شاهد الحلقة الأولى عن الاقتصاد كما يجب ان يكون 

[alert type=warning] ” هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها ، و ليس من الضروري أن تعكس رأي Chart Voice “ [/alert]

شاهد ايضاً

ساعدنا في نشر المعرفةShare on LinkedInShare on RedditTweet about this on TwitterShare on Google+Share on Facebook
محمد عبده

محمد عبده

قلم حَر / المدير التنفيذي لشركة أعمال هندسية و ديكورات ، له العديد من الدراسات في مجال الاقتصاد و إدارة الأعمال و التسويق